كنت بتلك الوظيفة 3 سنوات ونص. الراتب وكيف والعلاوات جاتني كل سنة بشكل منتظم. عندي مكتب خاص بي، والناس في الشركة بتحترمني. الفوائد الإضافية كويسة. التأمين الصحي يغطي عيلتي كاملة. بس كل يوم صباح أصحي وأحس إن في شيء ناقص. شيء مش واضح بس موجود.
أروح الشغل وأقضي 8 ساعات. بس لما أرجع البيت وتسألني عيلتي "شنو أخبار شغلك اليوم؟" ما أفتكر شيء واحد بشكل محدد. كل يوم يشبه اليوم اللي قبله. الروتين واحد. الناس واحدة. الشغل واحد. وفي يوم من الأيام قلت لنفسي: "هذا حياتك؟ أنت بتقضي ثلث يومك بشيء ما فيه حماس؟"
الحمد لله لما اتخذت قرار الرحيل. بس قبل ما أرحل من الوظيفة، كان لازم أعرف.. هذا احساسي الحقيقي ولا بس الملل والروتين العادي؟ لأن كل شغل فيه روتين شوية. كل شركة فيها ناس صعبة. هل معنى هذا إني بتحول وظيفة كل 6 أشهر؟ فقعدت أفكر بشكل جدي. وتعلمت إن في علامات معينة لما تشعر بيها، فأنت بتحتاج تغيير جذري:
أولاً: الاستنزاف العاطفي والنفسي - وهذا شيء أخطر من التعب الجسدي. أنا ما كنت متعب جسدياً.. أنا كنت متعب عاطفياً. كنت أروح الاجتماع وأقدم فكرة وما أحد يسمع لي. بعدها بساعتين بسمع نفس الفكرة من شخص ثاني وكل الناس تصفق. هذا إحساس وحش ما يوصف. كنت أحس إن وجودي ما بيهمش أحد. لو ما كنت حاضر كان ما بيغير شيء.
ثانياً: ما في تطور ولا فرص نمو - أنا فضلت بنفس الراتب نفس المسؤوليات 3 سنوات كاملة. ما أحد فكر يدرب حد. ما أحد قال "في كورس جديد بدك تشتري تتعلم فيه؟ تمام خذ تكاليفه." ما أحد عرض مشروع جديد يطور مهاراتك. كنت أشتغل بنفس الطريقة بسنة واحدة. ما في تطور.
ثالثاً: الناس اللي بتشتغل معاك - وهذا شيء ما بتوقعه. إذا كنت تقضي يومك مع ناس ما تحتمل تشوفهم، الحياة صعبة جداً. الفريق كان سلبي. كل واحد بيركز على أخطاء الثاني. ما في تعاون. ما في دعم. ما في ضحكة. الجو كان ثقيل جداً. يوم الاثنين كل الناس حزينة. يوم الجمعة حتى ما بتروح الشغل بسرور. لأنك تعرف إن الاثنين بتروح مكتب فيه أشخاص ما تحب تقضي وقتك معاهم.
رابعاً: الفلوس ما عادت تكفي - وهذا شيء مشروع تماماً. الراتب الحالي كان يكفي الإيجار والفواتير والأكل. بس ما في باقي. ما في راتب إضافي تشتري هدية لعيلتك. ما في راتب تحط بشوية مدخرات. حياتك بتصير وجود بس ما تصير عيش. أنا قررت أترك الشغل اللي أنا فيها بكل الراحة والأمان. وقبلت عرض براتب أقل شوية بس مع مشاريع اللي بتثير اهتمامي. وفعلاً ما ندمت ولو يوم واحد. صرت أروح الشغل ومتحمس. بشوف فريق يدعمني. بتعلم حاجات جديدة كل شهر. بحس إن شغلي مهم وفي فرق لأجل وجودي.
المهم تفرق بين الملل المؤقت والإحساس إنك في المكان الغلط. الملل ممكن تحله بمشروع جديد أو تدريب. بس الإحساس إنك في المكان الغلط.. هذا بحاج تغيير جذري.